السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
53
مفاتيح الأصول
فيه وذلك لأنّه لو أريد المعنى المجازي من دون قرينة لزم الإغراء بالجهل والتالي باطل فالمقدّم مثله أمّا الملازمة فلأنّ اللَّفظ مع عدم القرينة ظاهر في إرادة المعنى الحقيقي لا غير وإرادة غيره مع عدمها إغراء بالجهل وهو واضح والظاهر بل المعلوم أن أحدا لم يخالف في ذلك ومنها وجود العلاقة بين الموضوع له والمستعمل فيه مجازا وشرطية هذا أيضا ممّا لا ريب فيه وذلك لأنّ الاستعمال بدون العلاقة مستهجن وقبيح وغلط وما شأنه ذلك فليس من اللَّغة لا يقال لو كان الاستهجان والقبح دليلين على خروج الاستعمال عن اللَّغة لكان الكذب واستعمال جملة من الألفاظ الَّتي يقبح استعمالها كاستعمال بعض الألفاظ الموضوعة للعورتين من غير اللَّغة وهو باطل لأنّا نقول قبح الاستعمال فيما ذكر ليس لنفس الاستعمال كما في المجاز بلا علاقة بل لأجل قبح المعنى فتأمل سلَّمنا لكن قام الدّليل على كون ما ذكر من اللَّغة ولولاه لمنعنا عنه تمسّكا بأصالة خروج الاستعمال القبيح عن اللَّغة والأصل المذكور في محلّ البحث لا معارض له فيجب التمسّك به واحتجّ الباغنوي على اشتراط العلاقة بأنه لو لم يكن بينهما علاقة لكان استعماله في المعنى المجازي إمّا وضعا جديدا أو غير مفيد لأنّه إذا استعمل بلا ملاحظة علاقة فإمّا أن يقصد به تخصيص اللَّفظ بالمستعمل فيه وتعيينه بإزائه فهو وضع جديد أو لا يقصد ذلك فلا يكون مفيدا إذ المعنى المقصود لا يفهم منه بحسب الوضع إذ لا تعلَّق له به أصلا ثم قال لا يقال إذا قلنا خذ هذا الفرس مشيرا إلى الكتاب فلا شكّ أنه يفهم منه المقصود بمجرّد الاستعمال من جهة قرينة الإشارة بلا وضع جديد ولا ملاحظة علاقة لأنّا نقول القرينة مستقلَّة في الدّلالة ولا دخل فيها لاستعمال اللَّفظ ومنها تجويز أهل اللَّغة استعماله في خصوص ذلك المعنى فلا يجوز استعمال اللَّفظ في كلّ معنى يكون بينه وبين المعنى الحقيقي علاقة حتى يرد من أهل اللَّغة جوازه وهذا قول الأسفرائيني والرازي على ما حكي والحجّة فيه أمور الأول أنّ الحكم بصحّة استعمال اللَّفظ في معنى كالحكم بصحّة العبادة والمعاملة لاشتراكهما في التوقيفية فكما أن الحكم بصحّتهما يتوقّف على إذن الشرّع فكذا الحكم بصحّة الاستعمال يتوقّف على إذن أهل اللَّغة وحيث ينتفي فلا يجوز الحكم بالصحّة كما في الأوّل عملا باستصحاب الفساد وعلى هذا لا يجوز الحكم بصحّة كلّ تجوّز وإن وجدت العلاقة لعدم ثبوت هذه الكليّة من اللَّغة فثبت أنّه يشترط نقل آحاد المجاز لا يقال الاشتراط خلاف الأصل ألا ترى أنه قد شاع على ألسنة القوم أن الأصل عدمه ومرجعه إلى أن اعتبار خصوصيّة بعض الأفراد يتوقف على الدليل وهو مفقود فلا يصار إليه لأنا نقول لا نسلَّم أن الأصل عدم الاشتراط ألَّا فيما إذا ثبت ما يقتضي نفيه على وجه العموم وأما مع عدمه كما في محلّ البحث فلا وعلى الأول ينزل كلام القوم ومرجع ما قلناه إلى أن الأصل عدم ثبوت مقتضى الصّحة حتّى يثبت وهو واضح جدّا الثّاني أنه لو جاز الاستعمال في غير ما وضع له بمجرّد العلاقة ولم يشترط النّقل من أهل اللَّغة لصحّ استعمال لفظ النخل في كلّ طويل والشبكة في الصَّيد والأب في الابن والعكس لوجود العلاقة بين المعنى الحقيقي للألفاظ المزبورة وتلك المعاني والتالي باطل جدّا الثّالث أن التجوّز بدون النّقل من أهل اللَّغة اختراع في اللَّغة فلا يجوز لمن أراد متابعتها أما إنه اختراع فلأن الفرض أنه لم يرد من أهل اللَّغة شيء يدل على صحّته فهو إثبات ما لم يثبت منهم وهو الاختراع وأمّا عدم جواز الاختراع في اللَّغة لمن أرادها فواضح لا يقال إنّما جوّزنا التعبدي عن موضع استعمالاتهم باعتبار المسكوت عنه والمنصوص عليه في علَّة الجواز وهي وجود العلاقة إذ به يحصل إذن أهل اللَّغة بجواز التعدّي فلا يكون اختراعا لأنا نقول هذا إثبات الحكم بالقياس وهو غير جائز وفي الجميع نظر أما الأوّل فلمعارضته بوجوه تدلّ على عدم اشتراط ذلك وجواز الاستعمال كلما تحقّق فيه العلاقة منها أنه قد ادعي الإجماع على عدم اشتراط ذلك ويعضده ما قيل من أنّه مذهب الأكثر لا يقال قد ادعي أنّ الاشتراط قول الأكثر فيحصل الوهن في دعوى الإجماع على العدم لأنّا نقول الظاهر خطاء هذه الدعوى إذ لم نجد من المتقدّمين والمتأخّرين من يقول بالاشتراط سوى الأسفرائيني والرازي على ما حكي وأمّا القائلون بعدم الاشتراط فجمع كثير منهم السيّد المرتضى في الذريعة والعلامة في التهذيب والنهاية والسيّد عميد الدّين والمحقّق البهائي والعضدي والتفتازاني وربّما يشهد بصحّة دعوى الإجماع ما قيل من أن استقراء أحوال أهل العربيّة في تفاصيل استعمالاتهم مجازات متعددة غير مسموعة من أهل اللَّغة مع عدم تخطئة كلّ صاحبه يدلّ على أن ذلك ليس شرطا عندهم ولذلك لم يدوّنوا المجازات تدوينهم الحقائق ومنها أن ما دلّ على ثبوت الكليات اللَّغوية وهو الاستقراء يدلّ على ثبوت هذه القاعدة الكلَّية ولو منع من حجيّة الاستقراء لوجب الالتزام بعدم ثبوت قاعدة كليّة في اللَّغة فلا يجوز أن يقال كلّ فاعل مرفوع وكلّ مفعول منصوب وكلّ مضاف إليه مجرور لا يقال نمنع من كون الدليل على ثبوت الكلَّيات اللَّغوية هو الاستقراء بل هو الإجماع عليها فإن من لاحظ الكتب النحويّة والصّرفيّة حصل له العلم به ولا إجماع على ثبوت الكليّة في محلّ البحث لأنا نقول